المقالات الأدبية
مرايا ريبر (قراءة في الحب وجود والوجود معرفة ) / بقلم : حمود ولد سليمان
أسرة التحرير521
نشر الموضوع :
بقلم : حمود ولد سليمان / “غيم الصحراء”
بروح فلسفية ظمأي للمعرفة .تبحث عن المعني وتتوق للمطلق وتعانق الوجود . كل الوجود .وتبحث عن خلاص الإنسان في عالم تحكمه سلطة الأقوياء. وتتصارع فيه العصبيات العرقية والدينية والمذهبية وتتناحر الأيديولوحيات . يصوغ ريبر العالم
ويصهره في “الحب وجود والوجود معرفة “بفكر ورؤية شاعر
مرهف الحس .مجبول علي الشعر .وبالشعر وللشعر . واثقا من طريقه وخطواته ولغته .إلي الينابيع .
“تحمله الجياد إلي أقصي ما يهفو إليه قلبه .وتقوده علي الطريق الخصبة بوحي من الآلهات ..وتخترق به كل المدائن “(1)
علي خطي بارمينيدس “نبي الأنطولوجيا “كما سماه نيتشه .
المعرفي الكبير يعلل الوجود .فيراه ذاتا من ذاته و يحمله في كيانه .كدأب أسلافه الشعراء .كما قال الشاعر التونسي الخالد
أبدا يحمل الوجود بمافيه
كأن ليس للوجود زعيمه .
برؤاه الشعرية والفكرية سعيا نحو السعادة
مراهنا علي أن الفكر الذي يعول عليه هو ذاك الذي يقدم
“راحة كبري للروح المتعبة ” (2)
في كتابه الجديد “الحب وجود والوجود معرفة يقدم ريبر هبون رؤيته الفلسفية الفكرية للعالم من خلال جدل الحب وجود والوجود معرفة .ويستكمل مشروعه /الأدبي /الفكري / الذي أعلنه مع بداياته الشعرية .فيدعو لتمجيد المعرفة والإحتكام لها وتنظيم المجتمع بشكل عقلاني وتكوين رابطة بشرية جامعة لكل المعرفيين في العالم .ذالك أن المعرفة هي البديل عن التعصب الديني والمذهبي والعرقي والإفلاس الأيديولوجي .إنها الحالة الطبيعية التي تستطيع إن وجدت أن تتماشي مع الطبيعة الإنسانية في توافق تام . ويراهن علي المعرفة كسلاح قوي له نجاعته في كل الأزمنة وعلي المعرفيين كبناة للعالم .فاعلين ومؤثرين في حركة التاريخ .ويدعو مع ماركس إلي التغيير منتقدا الفلاسفة الذين وقفوا عند محاولة تأويل العالم وفهمه بدل تغييره
بروح قريبة من الرؤية الصوفية والتي هي:
“ليست انعكاسا مرآويا للواقع بل هي تجاوز له وتجاوز للوعي نفسه .انها عملية خلق جديد لهذا الواقع “(3)
ومن خلال الحب وجود والوجود معرفة تبدو ظلال هيجل وارفة للعيان في الجدل الذي يري ان العالم كله صيرورة، أي في حالة حركة وتغير وتحول وتطور دائم.
وفي منطلقاته ورؤيته للتاريخ والإحساس بالتاريخ وكأنه يردد مع هيجل أن” تاريخ العالم ليس الا تقدم الوعي بالحرية ” (4)واعتماده علي مبدأ “أن كل ماهوواقعي فهو عقلي وكل ماهو عقلي فهو واقعي وهذا معناه أن ليس هناك شيء في الوجود لايقبل التفسيربالعقل …..
و أن الحركة في الكون وصيرورته خاضعة لقانون حتمي يتجه إلي أعلي مراتب التقدم .إلي قمة التطور.إلي تحقيق المطلق.أي تحقيق العقل الكلي (أو الفكرة أو الله )في العالم وتحقيق العالم في العقل “(5)
ويدعو للدولة التي تقوم علي التنظيم العقلاني للأخلاق والمؤسسات الإجتماعية . منتقدا الدولة الشمولية والتي هي قمعية استبدادية . واحلال السلطة المعرفية محلها علي اعتبارانها تختلف عن كل السلط الإستبدادية .الأسس والغايات والمنطلقات التي يعتدمها ريبر في كتابه متشعبه .ليست واضحة بشكل محدد وأحيانا يكرر نفس المقولات والأفكار التي قالها سابقا
فهو ينتقد الإيديولوجيا ويمجدها وينتقد الدولة الشمولية ويقع في الشمولية عندما يمجد المعرفيين .وعنده ان الفكر هو الأساس وكذالك الصراع الثنائي ويدعو لجمهورية افلاطونية معرفيه .
المهاد الدلالي ل “الحب وجود والوجود معرفة ” جعله الكاتب
متناغم مع مهاد النظرية .الذي يتخذه موئلا لتأويل العالم وفهمه ..من جغرافيا الشرق الأوسط وتاريخه .
وهوياته وبالأخص القومية الكرديه المتواجدة بكردستان بين العراق وسوريا وتركيا وايران .
يهفو ريبر إلي الحرية دائما ويتغني بها .والحرية التي ينشدها هي
التي تتحقق بالمعرفة المطلقة معرفة الذات .
أنا ظاميء،وخطاي تهتف للمياه
تروح تنهل حكمة الينبوع
أنا كالنبي المرتجي عطف الإله
أسير في درب بصبر يسوع
وأضيع عبر معالمي متدليا
كالموت أصهل متخما بالجوع.(6)
وبحس وجودي يتحد مع العالم ويخاطب الكيان قائلا:
أدعو لإنسانية الإنسان أن
يحيا النقاء يضيء كل سواد
لم يفتح التاريخ يوما صدره
للعاشقين لغاية الإنجاد
بل كان دوما عابرا بمرارة
للضائعين وكان بالمرصاد
سيكلم الينبوع أعماق المدي
عن كل مأساة وكل جماد
عن قهرنا المسكون في نبضاتنا
وضياعنا بمتاهة الأوغاد
أنا ثورة للغارقين كآبة
أنا بلسم للعاشقين وهاد
سيكون ذاك العشق أعظم ثورة
تشدو لها الدنيا بكل عناد
إني نصير الحب في زمن الدجي
ومناهض لخرافة الأجداد
أدعو لمجتمع طبيعي الرؤي
فيه نحقق حلم كل مناد (7)
قدم ريبر” الحب وجود والوجود معرفة” في ثمانية فصول :
_العقل المعرفي الشرق أوسطي بمواجهة التجهيل
_الإرادة المعرفية في مواجهة القمع
_الإرادة المعرفية في مواجهة الإسلام السياسي
_الإقتصاد في خدمة الوجود
_المعرفيون في كوردستان الشمالية
_المعرفيون واشكالية الحرية
_حرية الفكر المعرفي بمواجهة التجهيل الممنهج
_حول الشرق الأوسط وسبل الحل
في تمهيده حول الإحساس بالوجود اصل المعرفة او العالم
يقول الكاتب “أول مايعيه الكائن الحي إدراكه للوجودوالإنسان يدرك ذاته من خلال الوجود فهو الأرضية التي ينشأعليها المجتمع وفيها يستقي معاييره ومثله من الرابط الأوحد الذي يربط الإنسان بالوجود قبل إكتساب الأشياء وهو إدراك الحب عبر نموالإحساس ” (8)ومن هذه العلاقة القوية بين الكائن والوجود والتي تتطور لتتداخل فيها عوامل كثيرة اكثر من منشأها النفسي لتصبح وجودية وسياسية وتاريخية وثقافية .يسعي ريبر لأبراز الصراع الذي يخوضه المعرفيون في هذا الوجود .وفي علاقة الذات /الفرد بالمجتمع يحفر في تاريخه الذاتي في الفصل الأول /العقل المعرفي الشرق أوسطي بمواجهة القمع /مبرزا تشكلات الخراب والفظيع في المنطقة الشرق أوسطية وفي الفصل الثاني يبين مدي قوة الإرادة المعرفية وكيفية مواجهة القمع .محللأ أسباب الصراع مراهنا علي المعرفة في مختلف مساراتهاوفي أكثرها ذاتية /الكتابة الأدبية التي لاتغدو هروبا من الواقع وانما تجاوزا له عبر الحلم والأمل والتأمل .وهو بهذا يسعي أكثر لإبراز أهمية الوعي الذاتي في كل فكرويصبح الموت والذي هو مشكلة فلسفيه وجودية /فيزيائية .يصبح نضجا وسبرا لغور المعرفة باعتباره وعيا ذاتيا .الموت الشرق الأوسطي بين حضارات متعددة . وهو الموت الذي شكل وعي كلكامش الوجودي بطعم مختلف .وبحساسية صراع الحضارات.
في الفصل الثالث /الإرادة المعرفية في مواجهة الإسلام السياسي
يتناول العنف في المنطقة ويرده إلي التطرف ويربط بين التطرف الإسلامي والقومية “المتعالية ” ورغم وجاهة مايقدمه من حقائق مع ذالك أحيانا يتحامل متناسيا حركة التاريخ وصيرورته ويحمل الدين وزر كل شيء.رغم أن هناك أسبابا كثيرة باعثة علي الصراع .كاختلاف الحضارات والثقافات والإستعمار ومخلفاته والسعي والتنافس علي الثروات في المنطقة ثم إن الديانات في الشرق الأوسط عديدة وليس الإسلام وحده هو الذي تدينه شعوب الشرق الأوسط فهناك المسيحية وغيرها والكاتب بالأساس يركزفي انتقاده علي العنف في الأسلام السياسي .ثم ان أسباب العنف كانت منذ احتلال اسرائيل للمنطقة العربية وقبل نشوء الجماعات الإسلامية بعقود من الزمن .
في فصل الإقتصاد في خدمة الوجود /يدعو الكاتب إلي الفكرة
التي “تنتج الإبداع والجمال والخيرالذي لاينضب وتنشد الحب الذي هو الممهد الأساسي لتبلور الفعل الإنساني الذي يعم فضله علي الوجود بأسره نحو مذهب الإقتصاد في خدمة الوجود القوي الذي يساهم في إرساء الأمن والسلام “(9)
ويدعو إلي قيم المدينة الفاضلة عند افلاطون ويدعوالمعرفيين إلي الإتحاد وتنظيم المجتمع بشكل عقلاني .
وفي الفصل الخامس والسادس ومن خلال صراع الهويات يدعو إلي تأكيد الذات مبرزا لأهمية الوعي الذاتي .ومن خلال جدل الحرية يدعو جميع المعرفيين إلي التحرر المعرفي والفكر المستنير لصناعة المصير.
في الفصلين الأخيرين /يقدم الفكر المعرفي في شموليته حلا وبديلا في مواجهة التعصب الديني والتطرف وفشل الأيديولوجيات وقمع الديكتاتوريات وأستبداد السلط فلا خلاص للإنسانية من الويلات والحروب والمجاعات والصراعات والعبودية والجهل إلا بالفكر المعرفي .
عبر” فرضية الحب وجود والوجود معرفة “يدعو ريبرلمجتمع عضوي مترابط لايستغني أحده عن الآخر.ويحاول تطبيق مفاهيم فلسفية مجردة دون النظر في الإختلافات الكثيرة بين المجتمعات البشرية فهل .من الممكن أن ندعو إلي جامعة بشرية وفق هذا التصور ؟وهل من الممكن أن تختفي كل الفروق بين الثقافات والديانات والشعوب ؟ في إطار معرفي واحد يجمعها من الشرق إلي الغرب ؟وهل يمكن للمعرفيين أن يتحدوا في ظل سلط لا تقيم وزنا لهم ؟وفي مواجهة قوة أكبر منهم
أخيرا نقول إن الكاتب وإن كان يفتقد لأسس صلبة في بناء نظريته فإن ذالك لايقلل من أهمية كتابه وحسبه أنه أشار إلي أبعاد كبري هامة جدا .وأجتهد ثم إن مسارات كل الفكر الإنساني من بدء التاريخ إلي اليوم كلها نظر وتأمل .يظل يتراكم ويتطور عبر الممارسة والتجربة .إلي إن يصل إلي المبتغي المنشود.
في الحب وجود والوجود معرفة .تتجاور كل الثقافات والأمم والجغرافيا والتاريخ .ويؤثث الحب كل الوجود .ويحظي المعرفيون الفاعلون المؤثرون في حركة التاريخ بالتقدير خصوصا الذين عاشوا مصائر تراجيدية سقراط والحلاج وذالك لأن الكاتب يري في التضحية سبيلا وغاية لابد منها لتطور التاريخ وقيام الفكر المعرفي .
الحب وجود والوجود معرفة هكذا تكلم ريبر هبون
وأنا أقرأ الكتاب لفت انتباهي قوة الإنفعال الوجداني وإحساس المقموع الذي يجعل الكتابة أحيانا لاواعية .
وحدة النبرة الرسولية التي لاتفارق الكاتب حتي ليخاله المرء مثل زرادشت نيتشة رغم الإختلاف بينهما .هابطا عند سفح الجبل ممسكا عصاه وعلي كتفه حيته ونسره مرددا عظاته علي تلاميذه .
هكذا ريبر يبشر بالإنسان المعرفي ويتوق للمجتمع المعرفي حلم الإنسانيه في مراياه الثلاثة المتماهية /الحب /الوجود /المعرفة
هوامش :
قصيد بارمنيدس /ترجمة يوسف الصديق .دار الجنوب /تونس .ص 121.والأبيات المشار إليها :
“هزتني الجياد تحملني إلي أقصي ما يهفو إليه قلبي.حين قادتني علي الطريق الخصبة بوحي من الآلهات تمتد مخترقة المدائن كلها”
(2)عزاء الفلسفة/بوئثيوس/ترجمة د /عادل مصطفي/رؤية للنشر
2008.ص 126
(3) مقالات في الأدب والفلسفة والتصوف/حميدي خميسي/دار الحكمة .ص .7
(4)مقدمة قصيرة جدا /هيجل /بيترسينجر/طبعة أولي.2015/مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة /ص38
(5)تكوين العقل العربي /محمد عابد الجابري .مركز دراسات الوحدة العربية .ص.22و23
(6)صرخات الضوء/ريبر هبون /ط أولي 2016.نون للنشر /حلب .سوريا .ص 38
(7)صرخات الضوء/ ص .74و75
(8) الحب وجود والوجود معرفة /ريبر هبون /لوتس للنشر الحر
2021/ص 11
(9)الحب وجود والوجود معرفة /ص 120
دعم المشاريع الأدبية
أدب
Subscribe
0 تعليقات
مقالات ذات صلة
الأرشيف
هاشتاقات أدبية
أبوظبي​الإمارات​الاردن​الامارات​البابطين​البحرين​السعودية​العراق​الكويت​المغرب​شاعر_المليون​شعر​عالمي​عمان​فلسطين​قطر​كتاب​مصر
حقوق النشر
جميع حقوق النشر متاحة للجميع مع ذكر المصدر . وليس كل ما ينشر يمثل وجهة نظر مجلة أنهآر , والمجلة غير مسؤولة عن أي كلمة منشورة في التعليقات التي هي تعبر عن رأي أصحابها وليس بالضرورة رأي المجلة .
© Copyright 2021, All Rights Reserved
شاعر المليون يتابع رحلة البحث عن نجوم الشعر النبطي في الكويت مقال عشوائي
الرئيسيةمجلة أنهآر الأدبيةالمقالات الأدبية